باتت مسألة الحجاب ، تفرض نفسها على العقل الإسلامى وغير الإسلامى ، لدرجة أن يخرج علينا بعض الجهلاء لقول بفرضية الحجاب او عدم فرضيته دون أن يسوق لنا الدليل الصحيح على ذلك، ولأن الحجاب أصبح مقياسا وتحديدا لمعنى ومقصد وطبيعة الإسلام، فى نظر غير المسلمين، مما حدا ببعض الدول غير الإسلامية، إلى القول بأن الحجاب الإسلامى هو شعار سياسى، يؤدى إلى التفرقة بين المواطنين، والتمييز بينهم، مما أدى لحدوث مصادمات وفصل من الوظائف فى هذه الدول بسبب تمسك المسلمة بما يسمى الحجاب ، لذا حاورت رسالة السلام الباحث ناصر المورد – لبنان-
- هناك آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومتواترات مستمرة ومواقف نبوية عن الحجاب الخاص بالمرأة وانت تحاول بكل الطرق اثبات العكس؟
كَانَ ذَلِكَ إجراءً طَارِئَا، لِمُعَالَجَةِ حالَةٍ طَارِئَةً، وَظُروفَ خَاصَّةِ، مَا لَبَّثَتْ أَنْ زَالَتْ، وَزَالَ مَعَهَا مَا يُوجِبُ الإدناء فكلمة “الحجاب” والتي تعني عند قائليها “لباس المرأة المُسلمة للجلباب والخمار الشرعيّ” لا تنطبق على المعنى الأصلي للحجاب، وقل نفس الشيء في البرقع والنقاب الذي يخفي شخصية المرأة. وعليه فالحجاب هو ما فُرض حصراً على أمهات المؤمنين- رضوان الله عليهن- بأن يكون بينهن وبين الرجال الأجانب ساتراً عند الحاجة لمخاطبتهن أو طلب أي متاع منهن، وقد انتهى وانتهت أحكامه بوفاة آخرهن. فاحتجاب المرأة ليس شريعة من أي نوع، ولا فريضة دينية مصدرها التنزيل الحكيم، بل مصدره الفقه الذكوري الاستبدادي، فالتنزيل الحكيم لا يساند ولا يوافق على نظرية المرأة المحتجبة من أصله، فعندما تحتجب المرأة فإنها تتقمص شخصية امرأة “متدينة” لأنها بحاجة ماسة إلى اعتراف المجتمع الذي يتكلم بلغة “التلمود”- الذي بُعثَ حياً في واقع المسلمين – ويؤمن بأنَّ المرأة (ناقصة عقل ودين) لا أكثر ولا أقل من ذلك .
- ولكن لقد وردت كلمة حجاب في التنزيل الحكيم في عدة آيات ليس من بينها آية واحدة تُشير إلى غطاء الرأس، فالحجاب في التنزيل الحكيم جاء بمعنى الساتر وليس غطاء الرأس، بدلالة قوله تعالى: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ (الأعراف: 46) إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (الأحزاب: 53) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (فصلت: 5) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشورى: 51)
المدقق في قوله تعالى: يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب: 59) سيلاحظ على الفور بأنَّ قوله تعالى موجه لنساء مُعَّينات، محدّدات، هُنَّ أزواج النبي الكريم (ع) وبناته، ونساء المؤمنين في تلك الفترة حصراً، و كان ذلك إجراءً طارئاً، لمعالجة حالة طارئة، وظروف خاصة، ما لبثت أن زالت، وزال معها ما يوجب الإدناء. ولقد ذكر التنزيل الحكيم العِلَّة صراحة “ستر الوجه بواسطة الجلباب” في قوله تعالى: “ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ” فبعد أن دخل المسلمون الأوائل في دين الله تعالى عن قناعة وبرهان وانصياع لحجة، اضطهدوا في أهلهم، واضطهدوا في أوطانهم، وفي ذواتهم وأموالهم، وفي ضوء هذا الواقع المرعب الذي يمكن تصوره كانت محنة الرسول (ع) وأزواجه وبناته، ونساء المؤمنين في عصره.
باختصار شديد الآية محل الدراسة لا تتحدث البتة عن حشمة المرأة إطلاقاً وبالتالي لا تجيب عليه، ثم أننا لا نجد أي علاقة بين تعرض أزواج النبي (ع) وبناته، ونساء المؤمنين (المعروفات للمنافقين) للأذى، وبين حشمتهن، فقوله تعالى: “ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ” دَلَّ على وجود أذية، إن عُرِفن. ولهذا السبب تحديداً جاء أمر الله “التوجيهي” لهن حصراً بأن يدنين عليهن من جلابيبهن. أنظر إلى قوله تعالى إن شئت: إن: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (الأحزاب: 58)
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب: 59)
وعلى الرغم من وضوح الآية ومعانيها، فالفقهاء ما زالوا مُصِرين على أنَّ آية الإدناء عامَّة لنساء المؤمنين حكماً دائماً، لذلك يجب تحجيبهن وستر وجوهن مطلقاً، وهذا خلط وخبط وسطحية في فهم التنزيل الحكيم، وأكثر من ذلك هذر عاميّ. والدليل على ذلك هو أنَّ التنزيل الحكيم ذكر أزواج النبي (ع) في صدر الاية: إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (الأحزاب: 53) فهل جاءت آية الإدناء لتفرض عل أزواج النبيّ (ع) الحجاب مرة ثانية؟ أم ماذا؟
ما نقطعُ به ونريد أن نؤكد عليه هو أنًّ لباس المرأة يخضع حصراً لأعراف الناس والبيئة المناخية. وأعراف الناس “حنيفة” تتغير بتغير الزمان والمكان، فلباسهن يختلف باختلاف أحوالهن تبنيه العادات والأعراف، فالتنزيل الحكيم لم يحدد لباس المرأة بقدر ما حَثَّ على حشمتها.
فالجلباب وهو رداء يستر جميع البدن ارتدته نساء المؤمنين والنساء المشركات على حد سواء، بالأصل – تأكيداً وتحديداً – قبل الإسلام وبعده فوق ثيابهن عند الخروج والسفر، ويرجع للحضارات الإنسانية القديمة قبل الإسلام، مع فارق مهم، وهو أنَّ الله – سبحانه وتعالى – طلب من أزواج النبي (ع) وبناته، ونساء المؤمنين أن يدنين من جلابيبهن فلا يؤذين، ولم يطلب ذلك من النساء المشركات.
والخِمار كذلك، وهو ما تغطي به المرأة رأسها “كعادة” لا علاقة لها بالدين لا من قريب أو من بعيد، ولا يترتب عليها ثواب أو عقاب. والجيوب جمع جيب، وهو فتحة في أعلى الثياب يبدو منها بعض صدر المرأة وعنقها، ولو كان المقصود تغطية الشعر لجاءت الآية (ليغطّين شعرهن) مثلما يضع الرجل في منطقة شمال إفريقيا وتحديداً الصحراء الكبرى (قبائل الطوارق) “الخمار” علي رأسه اليوم و من قبل.
إضافة إلى كل ذلك التنزيل الحكيم لم يحصر تغطية الجيوب بالخمار الذي كان سائداً عند نزول الاية، فالنساء عموماً، ونساء المؤمنين على وجه الخصوص، سواء أكانوا من العرب أو غير ذلك يستطعن في القرن الواحد والعشرين من تغطية جيوبهن بواسطة الأزرار أو بواسطة “السَّحَّاب” أو الشال وخلافه، من دون أن يضربن بخمرهن على جيوبهن، وأن يرتدين ملابس مناسبة لا تتعارض مع الأعراف والبيئة المناخية من دون أن ينتقصن من حشمتهن. وهذا بالضبط ما عنيناه عندما قلنا بأنَّ لباس المرأة يختلف باختلاف أحوالهن تبنيه العادات والأعراف، وأعراف الناس حنيفية تتغير بتغير الزمان والمكان.
لكن هناك احاديث وروايات منسوبة الي النبي تؤكد علي وصف الحجاب والاحتشام للمرأة؟
يجب علي المسلف الا يقفز فوق النصوص، وألا يلتفت إلى الأحاديث الركيكة، والروايات المنحولة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وأخص بالذكر الحديث المنسوب إلى السيدة عائشة زوجة النبي “أنَّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على الرسول الكريم – وعليها ثياب رقاق – فأعرض عنها وقال لها: “يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا” وأشار إلى وجهه وكفيه“
إنَّ خطورة هذا الحديث الموضوع والمحبوك بعناية تنبع من بساطة طرحه ليبدو في النهاية كما لو أنه حقيقة مُسلم بها، والأمر بكل تأكيد ليس كذلك، وهذا ليس قولي ولم اقله من تلقاء نفسي، فهذا ما قاله صُنَّاع الحديث أنفسهم، وتبعاً لقواعدهم المُجافية لروح القرءان الحكيم.